أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
280
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
منهجنا في الدعوة إذن هو تأييد وتوجيه المشاريع والدعوات الإصلاحيّة والقيام بالعديد من الخطوات والمشاريع الإصلاحيّة التي تقع في طريق التغيير أو تؤثّر فيه من قريب أو بعيد . نعم ؛ لا بدّ لدعوتنا التي تهدف التغيير الكلّي في المجتمع أن تقارن بين مجالات العمل وتجنّد الطاقات لما هو أكثر فائدة للإسلام وتأثيراً في عمليّة التغيير الشاملة . الأساس رقم ( 13 ) من أين يبدأ التيّار التغييري في الأمّة ؟ ! من أين تبدأ الدعوة الإسلاميّة بإحداث مدّها للتغيير الجذري الشامل في حياة الأمّة ؟ وما هي العمليّة الأساسيّة في هذا المد ؟ ! يجيب السطحيّون في تفكيرهم على هذا السؤال بأنّ العامل الرئيسي في الانقلاب الإسلامي هو عمليّة الاستيلاء على الحكم ، ويتراءى لهم أنّ تسلّم السلطة هو العمليّة الانقلابيّة الكبرى التي يتمّ بها كلّ شيء . وقد غفل هؤلاء عن أنّ لكلّ مجتمع قاعدة ، وأنّ القاعدة هي الأمّة ، فإذا كانت الأمّة هي الأمّة لم تتغيّر في محتواها الداخلي فإنّ تغيير الحكم لا يعني حدوث الانقلاب الأساسي الشامل في المحتوى الفطري والروحي للأمّة ، وإنّما يعني - إذا أمكن الاحتفاظ به - فقط حصول الأداة القويّة التي يجب أن يبدأ الانقلاب والتطوير من عندها وبها . ويجيب الماديّون على هذا السؤال بأنّ العامل الرئيسي في الانقلاب الشامل في الأمّة هو الظروف الماديّة الخارجيّة ، حيث يزعمون أنّ تحوّل وسيلة الإنتاج من شكل إلى شكل هو الحدث الانقلابي الكبير الذي يخلق المجتمع من جديد . وقد غفل هؤلاء عن أنّ الإنسان هو الذي يصنع الظروف الماديّة ، وليست الظروف هي التي تخلق الإنسان وتكيّفه كما تشاء . أمّا الإسلام ، فيجيب على هذا السؤال جواباً واضحاً محدّداً مرتكزاً على نظرته العامّة عن التاريخ الإنساني والمجتمع التي أوضحها الله تعالى في قوله إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ « 1 » ، فإنّ هذه الآية الكريمة تشير إلى أنّ التغيير الاجتماعي للبشريّة إنّما يتحقّق عن طريق تغيير ما بالنفوس البشريّة ، أي بتغيير المحتوى الداخلي للإنسان من أفكار ومشاعر . فالكيان الفكري والروحي للإنسانيّة هو العامل الرئيسي في البناء والتجديد في تاريخ المجتمعات . . وهذا بالضبط سرّ الانقلاب الكبير الذي أحدثه الإسلام في الأمّة التي لم يكن لها نصيب من السياسة ولا وجود في المجال الدولي ، ولم تكن تعرف للحياة معنى غير التفاخر والتغالب ، حتّى أنّها كانت لتضيق بفكرة الوحدة القوميّة لشدّة تحكّم الروح القبليّة في نفوسها . وإذا بهذه الأمّة بالذات تصبح سيّدة أمم الأرض ومالكة الزمام في الموقف الدولي ، والمبشّرة المثاليّة برسالة عالميّة لا تعترف بالحدود القوميّة ، فضلًا عن الحدود القبليّة . وقد تمّ كلّ هذا الانقلاب في فترة قصيرة لم يتغيّر فيها شيء من الظروف الماديّة ، ولم يكن سببه إلّا إحداث التغيير في المحتوى الداخلي الفكري والشعوري للأمّة . وهذا التغيير هو الذي يعبّر عنه الله تعالى بالتزكية والتعليم في قوله : لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ « 2 » » « 3 » .
--> ( 1 ) الرعد : 11 ( 2 ) آل عمران : 164 ( 3 ) ثقافةالدعوة الإسلاميّة 44 : 4 - 51 .